المنجي بوسنينة
131
موسوعة أعلام العلماء والأدباء العرب والمسلمين
علّة وواسط بين الاثنين . فالعلّة هي الجوهر الأوّل ، والمعلول هو المادّة والصورة ، والإرادة هي الواسط . وعليه فالمادّة والصورة هما جسم الإنسان وصورته ، أي تركيب أعضائه . والإرادة هي النفس . والجوهر الأوّل هو العقل . وهذه الثلاثة : الله أو الجوهر الأوّل ، والإرادة ، والمادّة والصورة ، هي لحمة الكتاب وسداه . وإذا كان الإنسان قادرا على إدراك هذه الثلاثة ، فما ذلك إلّا لأنّه يجد في ذاته ما يقابلها ، فعقله يقابل الجوهر الأوّل ، ونفسه تقابل الإرادة ، ومادّته وصورته تقابلان المادّة والصورة الأوّليّتين . فإذن معرفة الجوهر الأوّل لا تتمّ إلّا بفعله وآثاره . والكون من فعله وآثاره ، وهو من مادّة وصورة فهو إذن في حدود علم الإنسان . والكون كلّه ، سواء الروحاني أو المادّي ، مركّب من مادّة وصورة ، ومنهما دون غيرهما . والمادّة والصورة وحدة وتعدّد ، افتراق والتقاء . فهما أساس كلّ الكائنات ، أمّا ما يفرّق بين الكائنات فهو الصورة مادّية أم روحانيّة ، أمّا المادّة فهي واحدة وكليّة . وإذا كانت المادّة هنا واحدة وكليّة ، فإن ابن جبيرول يرى رأيا آخر ، يقول : « وما يجب عليك أن تتصوّره من هذه الصور الروحانيّة هو أنّها كلّها صورة واحدة ، لا فرق بينها في ذاتها ، لأنّها جميعا روحانيّة ، خالصة . وإذا وقع فيها تمايز ، فذلك من جهة مادّتها الحاملة لها ، وكلّما كانت ( المادّة ) قريبة من الكمال ، كانت رقيقة ، وكانت الصورة المحمولة عليها في غاية البساطة والروحانيّة ، والعكس بالعكس . خذ مثلا نور الشمس ، فالنور واحد في ذاته ، فإذا لاقى هواء نقيّا رقيقا ، نفذ منه وكان جليّا ، ونشاهد عكس ذلك في هواء عكر غير شفّاف ، كذلك الأمر في الصورة » . وقد تنوّعت آراء ابن جبيرول أيضا في خواص المادّة والصورة ، فخواصّ المادّة « موجودة قائمة بذاتها ، ذات جوهر واحد حاملة للتنوّع ، تضفي ذاتها واسمها على الكلّ ، وتسبّب له الوجود » . ويرى ابن جبيرول في مكان ثالث ، أنّ المادّة والصورة أمران متلازمان لا يفضل أحدهما الآخر ولا ينفصل عنه . وإذا كانت المادّة والصورة تصدق على كلّ الكائنات ، فإنّ هذه دوما مركّبة . فالكائنات الروحيّة تدعى بسيطة مع أنّها مركّبة ، ووصفها بالبساطة إنّما هو بالنسبة لما دونها . أمّا بالنسبة لما فوقها ، فهي مركّبة . وعليه ، فكلّ المخلوقات تتكوّن من صورة ومادّة كلّيتين ، وكلّما ابتعدنا عن الأصل ، كان الكائن مركّبا إذا ما قيس بالذي قبله ، في حين يكون بسيطا فيما إذا قيس بالذي يليه . وفي ذات الحين ، كلّما ابتعدنا عن الأصل الأوّل ، فإنّ الأدنى يكون بحال من الأحوال صورة للأعلى . والواقع أنّ العقل ، الجوهر الأوّل العاقل ، هو نفسه مركّب من مادّة وصورة . وعنه فاضت ثلاثة نفوس : النفس العاقلة ، والحيوانية ، والنباتيّة . وليست هذه النفوس الثلاثة مجرّد مبادئ كونيّة وحسب ، وإنّما هي مركّبات الإنسان التي تتجمّع فيه صورة الخلق كلّه .